فخر الدين الرازي
120
تفسير الرازي
المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : في نصب قوله : * ( كلمة طيبة ) * وجهان : الأول : أنه منصوب بمضمر والتقدير : جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة ، وهو تفسير لقوله : * ( ضرب الله مثلاً ) * . الثاني : قال ويجوز أن ينتصب مثلاً . وكلمة بضرب ، أي ضرب كلمة طيبة مثلاً بمعنى جعلها مثلاً ، وقوله : * ( كشجرة طيبة ) * خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هي كشجرة طيبة . الثالث : قال صاحب " حل العقد " أظن أن الأوجه أن يجعل قوله : * ( كلمة ) * عطف بيان ، والكاف في قوله : * ( كشجرة ) * في محل النصب بمعنى مثل شجرة طيبة . المسألة الثالثة : قال ابن عباس : الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله ، والشجرة الطيبة هي النخلة في قول الأكثرين . وقال صاحب " الكشاف " : إنها كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان ، وأراد بشجرة طيبة الثمرة ، إلا أنه لم يذكرها لدلالة الكلام عليها أصلها ، أي أصل هذه الشجرة الطيبة ثابت ، وفرعها أي أعلاها في السماء ، والمراد الهواء لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء * ( تؤتى ) * أي هذه الشجرة * ( أكلها ) * أي ثمرها وما يؤكل منها كل حين ، واختلفوا في تفسير هذا الحين فقال ابن عباس ستة أشهر ، لأن بين حملها إلى صرامها ستة أشهر ، جاء رجل إلى ابن عباس فقال : نذرت أن لا أكلم أخي حتى حين ، فقال : الحين ستة أشهر ، وتلا قوله تعالى : * ( تؤتى أكله كل حين ) * وقال مجاهد وابن زيد : سنة ، لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة . وقال سعيد بن المسيب : شهران ، لأن مدة إطعام النخلة شهران . وقال الزجاج : جميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهبون إلى أن الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أم قصرت ، والمراد من قوله : * ( تؤتى أكلها كل حين ) * أنه ينتفع بها في كل وقت وفي كل ساعة ليلاً أو نهاراً أو شتاء أو صيفاً . قالوا : والسبب فيه أن النخلة إذا تركوا عليها الثمر من السنة إلى السنة انتفعوا بها في جميع أوقات السنة . وأقول : هؤلاء وإن أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظ الآية ، إلا أنهم بعدوا عن إدراك المقصود ، لأنه تعالى وصف هذه الشجرة بالصفات المذكورة ، ولا حاجة بنا إلى أن تلك الشجرة هي النخلة أم غيرها ، فإنا نعلم بالضرورة أن الشجرة الموصوفة بالصفات الأربع المذكورة شجرة شريفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وتملكها لنفسه ، سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن ، لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل ، واختلافهم في تفسير الحين أيضاً من هذا الباب ، والله أعلم بالأمور . ثم قال : * ( ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) * والمعنى : أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني ، وذلك لأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس والخيال والوهم ،